محمد أبو زهرة

5116

زهرة التفاسير

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ( 96 ) . وقد بين اللّه تعالى لنبيه أنه في سبيل التبليغ لا يدفع السيئة بسيئة مثلها ، بل يأخذهم بالصفح ، والتجاوز عن الإساءة في سبيل دعوة الحق والإيمان ، فقال تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ السيئة مفعول ، التي هِيَ أَحْسَنُ ، أي الحال التي تكون أحسن الردود ردا مدنيا مقربا ، وليس جافيا مبعدا ، والتعبير ب أفعل التفضيل معناه أن يتخير خير ما يدفع به سفه القول ، وحمق الفعال من سخرية واستهزاء وتهكم بدعوته ، وبالذين معه من ذكرهم بالسوء وإيذائهم وتعذيبهم ، ورد الإساءة بالأمر الحسن فضيلة ذوى السلام من الرجال الصابرين ، وقوله تعالى : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ، أي نحن نعلم علما ليس فوقه علم بالأوصاف التي يصفونك بها أنت وأصحابك ، فلا تأخذك هذه الأوصاف إلى أن تعاملهم بمثلها ، إنك جئت هاديا داعيا إلى الحق ومرشدا ، وما جئت مجافيا ولا معاديا ، وبالرفق تدنيهم وبالجفوة والغلظة تقصيهم ، فألفهم ، ولا تخاصمهم ، وأحمق الدعاة من يوجد خصومة بينه وبين من يدعوهم ، فتثور أعصابهم لتقاوم دعوته ، وقد بين سبحانه أن مغاضبة من يدعوهم من همزات الشياطين ، فقال : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( 98 ) . يأمر اللّه تعالى نبيه بأن يلجأ إليه ، ويعوذ به من همزات الشياطين ، وأن يحضروه في معالجة الدعوة الخالصة للّه تعالى ، وتبليغ الرسالة الإلهية إلى خلقه ، والهمزة : هي النخسة التي تكون من وراء ، واللمزة هي النخسة التي تكون من الأمام ، وهمزات الشيطان هي سورة الغضب وحدته ، ونسبت إلى الشيطان ؛ لأنها تكون من غير الحكمة ، وأمر اللّه تعالى نبيه بأن يستعيذ من همزات الشياطين هو أمر له بأن يدرع بالصبر وألا ينساق وراء الغضب من أفعال من يدعوهم ، بل يسايرهم ويلاينهم ما لم يكن في ذلك ضياع حق أو علو بالباطل ، فالأمر بالدعاء بالالتجاء إلى اللّه من همزات الشياطين ، أمر له عليه الصلاة والسلام بأن يتئد ، ويدعو